محمد بن محمد ابو شهبة
290
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ووطئ أبو بكر ، وضرب ضربا مبرّحا ، وجعل عتبة بن ربيعة يضربه بنعلين مخصوفتين ، ويحرفهما لوجهه حتى فقد وعيه ، فحمله بنو تيم إلى منزله ، وقالوا : لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة ، وجعل أبو قحافة والد الصديق وقومه يكلمونه حتى أفاق ، وأجاب اخر النهار « 1 » . فما ذا كان من أبي بكر وقد أفاق ؟ لقد كان أول ما قال : ما فعل رسول اللّه ؟ فمسّوه بألسنتهم وعذلوه ، فلما خلت به أمه قال لها : ما فعل رسول اللّه ؟ فقالت : واللّه ما لي علم بصاحبك ، فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه - وكانت تخفي إسلامها - فذهبت إليها وقالت : إن أبا بكر يسألك عن صاحبه محمد بن عبد اللّه ؟ فقالت : ما أعرف أبا بكر ، ولا محمد بن عبد اللّه ! ! وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك فعلت ، قالت : نعم ، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا ، دنفا ، فدنت منه أم جميل ، وصاحت قائلة : واللّه إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر ، وإني لأرجو أن ينتقم اللّه لك منهم ، قال : فما فعل رسول اللّه ؟ قالت : هذه أمك تسمع ؛ قال : فلا شيء عليك منها ، قالت : سالم صالح ! قال : أين هو ؟ قالت : في دار الأرقم ، قال : فإن للّه عليّ ألاأذوق طعاما ، ولا أشرب شرابا ، أو اتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل « 2 » ، وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما ، حتى أدخلتاه على رسول اللّه ، فأكب عليه رسول اللّه فقبله ، وقبله المسلمون ، ورقّ له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رقة شديدة ، فقال : بأبي أنت وأمي ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي برّة بولدها ، وأنت مبارك ، فادعها إلى اللّه ، وادع لها عسى اللّه أن يستنقذها بك من النار ، فدعا لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودعاها إلى اللّه ، فأسلمت « 3 » .
--> ( 1 ) في القاموس : النعل ذات الطراق ، وكل طراق خصفة ، وخصف النعل يخصفها خرزها ، فهي إما مرقعة أو جعل جلدها طبقة فوق طبقة ، فهي ألم وأوجع . ( 2 ) أي قلّ السائرون في الطريق . ( 3 ) البداية والنهاية ، ج 3 ص 30 .